الشيخ سيد سابق

359

فقه السنة

روى أحمد ، وأبو داود ، والحاكم وصححه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فهو مضاد الله في أمره " . وقد يحدث أن يغفل المرء عن الجناية التي يرتكبها الجاني وينظر إلى العقوبة الواقعة عليه ، فيرق قلبه له ويعطف عليه ، فيقرر القرآن أن ذلك مما يتنافى مع الايمان ، لان الايمان يقتضي الطهر والتنزه عن الجرائم والسمو بالفرد والجماعة إلى الأدب العالي والخلق المتين . يقول الله سبحانه : " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " ( 1 ) . إن الرحمة بالمجتمع أهم بكثير من الرحمة بالفرد . فقسا ليزدجروا ، ومن يك حازما فليقس أحيانا على من يرحم الشفاعة في الحدود : يحرم أن يشفع أحد أو يعمل على أن يعطل حدا من حدود الله ، لان في ذلك تفويتا لمصلحة محققة ، وإغراء بارتكاب الجنايات ، ورضا بإفلات المجرم من تبعات جرمه . وهذا بعد أن يصل الامر إلى الحاكم ، لان الشفاعة حينئذ تصرف الحاكم عن وظيفته الأولى ، وتفتح الباب لتعطيل الحدود ( 2 ) . أما قبل الوصول إلى الحاكم ، فلا بأس من التستر على الجاني ، والشفاعة عنده . أخرج أبو داود ، والنسائي ، والحاكم وصححه من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تعافوا الحدود فيما بينكم ، فما بلغني من حد فقد وجب " .

--> ( 1 ) سورة النساء : آية 2 . ( 2 ) ادعى ابن عبد البر الاجماع على أنه يجب على السلطان إقامة الحد إذا بلغه .